الشنقيطي

35

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم ؛ كما بينه اللّه تعالى في سورة « الصافات » في قوله : قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ ( 51 ) إلى قوله - قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) [ الصافات : 51 - 57 ] . وما يذكره المفسرون من الأقوال في اسم كلبهم ، فيقول بعضهم : اسمه قطمير . ويقول بعضهم : اسمه حمران ، إلى غير ذلك - لم نطل به الكلام لعدم فائدته . ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها اللّه لنا ولا رسوله ، ولم يثبت في بيانها شيء ، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه . وكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها بدون علم ولا جدوى ، ونحن نعرض عن مثل ذلك دائما ؛ كلون كلب أصحاب الكهف ، واسمه ، وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل ، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر ، وأنكر عليه موسى قتله ، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو ، وكم طول السفينة وعرضها ، وكم فيها من الطبقات ، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه ، ولا دليل على التحقيق فيه . وقد قدمنا في سورة « الأنعام » في الكلام على قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً [ الأنعام : 145 ] الآية - حكم أكل لحم الكلب وبيعه ، وأخذ قيمته إن قتل ، وما يجوز افتتاؤه منها وما يجوز . وأوضحنا الأدلة في ذلك وأقوال العلماء فيه . قوله تعالى : وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ [ 19 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه بعث أصحاب الكهف من نومتهم الطويلة ليتساءلوا بينهم ، أي ليسأل بعضهم بعضا عن مدة لبثهم في الكهف في تلك النومة ، وأن بعضهم قال إنهم لبثوا يوما أو بعض يوم ، وبعضهم رد علم ذلك إلى اللّه جل وعلا . ولم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس الأمر ، ولكنه بين في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب السنة الشمسية ، وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية ، وذلك في قوله تعالى : وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ( 25 ) [ الكهف : 25 ] كما تقدم . قوله تعالى : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ [ 19 ] . في قوله هذه الآية « أزكى » قولان للعلماء . أحدهما - أن المراد بكونه « أزكى » أطيب لكونه حلالا ليس مما فيه حرام ولا شبهة .